السيد محمد الصدر
43
موسوعة الإمام المهدي ( ع ) ( تاريخ ما بعد الظهور )
فقال ذو القرنين : يا إلهي انك ندبتني لأمر عظيم ، لا يقدر قدره غيرك . فأخبرني عن هذه الأمة ، بأية قوة أكابرهم ، وبأي عدد أغلبهم ، وبأي حيلة أكيدهم ، وبأي صبر أقاسيهم ، وبأي لسان أكلمهم . وكيف لي بأن اعرف لغاتهم ، وبأي سمع أعي قولهم ، وبأي بصر انقدهم ، وبأي حجة أخاصمهم ، وبأي قلب أعقل عنهم ، وبأي حكمة أدبر أمرهم . وبأي علم اتقن امرهم ، وبأي حلم أصابرهم ، وبأي معرفة أفضل بينهم ، وبأي عقل أحصيهم . وبأي جند أقاتلهم ، فإنه ليس عندي مما ذكرت يا رب شيء ! فقوّني عليهم ، فإنك الرب الرحيم الذي لا تكلف نفسا إلا وسعها ، ولا تحملها إلا طاقتها » « 1 » . فهذه الرواية تبرز بوضوح صعوبة ممارسة الحكم العالمي . ولئن ذللت المدنية الحديثة بعض هذه المصاعب إلى حد ما ، فإنها أضافت إليها مصاعب وتعقيدات جديدة . تزيد في الطين بلة . ولولا ان اللّه عز وجل وعده بعد ذلك - لو صحت الرواية - بالتوفيق والتسديد ، لكان من الحق تعذر بل استحالة القيادة الشخصية غير المعصومة للعالم ، بل لبعض العالم ، فان ذا القرنين لم يكن حاكما للعالم كله . نعم ، ترتفع هذه الاستحالة ويقل التعذر ، مع وجود القيادة الجماعية الا اننا سبق ان ناقشناها بالتفصيل في التاريخ السابق « 2 » ، وسيأتي تطبيق ذلك في مستقبل هذا التاريخ . وسيتضح انه لا يمكن للمهدي ان يأخذ بالقيادة الجماعية الا بعد ان تمر البشرية بتربية طويلة طبقا للمناهج التي يضعها بنفسه . وعلى أي حال ، فقد كان المقصود البرهنة على أهمية الخصيصة الأولى للمهدي ( ع ) وهي صفة العصمة ، وانه لا يمكن لأي شخص غير معصوم الاضطلاع بمهمة القيادة العالمية . وأما الخصيصة الثانية للإمام المهدي ( ع ) في الفهم الامامي ، وهي كونه القائد الشرعي والوحيد للعالم عامة ولقواعده الشعبية خاصة ، حتى في حال غيبته . . . فتترتب عليها عدة فوائد بالنسبة إلى من يؤمن بقيادته . فان لها اثرها الكبير في تعميق التمحيص
--> ( 1 ) انظر إكمال الدين للشيخ الصدوق ( نسخة مخطوطة ) . ( 2 ) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ، ص 477 وما بعدها .